محمد بن جرير الطبري

12

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

محصنة ، كما قال جل ثناؤه : * ( ومريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها ) * بمعنى : حفظته من الريبة ومنعته من الفجور . وإنما قيل لحصون المدائن والقرى حصون لمنعها من أرادها وأهلها ، وحفظها ما وراءها ممن بغاها من أعدائها ، ولذلك قيل للدرع درع حصينة . فإذا كان أصل الاحصان ما ذكرنا من المنع والحفظ فبين أن معنى قوله : * ( والمحصنات من النساء ) * : والممنوعات من النساء حرام عليكم * ( إلا ما ملكت أيمانكم ) * . وإذ كان ذلك معناه ، وكان الاحصان قد يكون بالحرية ، كما قال جل ثناؤه : * ( والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ) * ويكون بالاسلام ، كما قال تعالى ذكره : * ( فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ) * ويكون بالعفة كما قال جل ثناؤه : * ( والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء ) * ويكون بالزوج ، ولم يكن تبارك وتعالى خص محصنة دون محصنة في قوله : * ( والمحصنات من النساء ) * فواجب أن يكون كل محصنة بأي معاني الاحصان كان إحصانها حراما علينا سفاحا أو نكاحا ، إلا ما ملكته أيماننا منهن بشراء ، كما أباحه لنا كتاب الله جل ثناؤه ، أو نكاح على ما أطلقه لنا تنزيل الله . فالذي أباحه الله تبارك وتعالى لنا نكاحا من الحرائر الأربع سوى اللواتي حرمن علينا بالنسب والصهر ، ومن الإماء ما سبينا من العدو سوى اللواتي وافق معناهن معنى ما حرم علينا من الحرائر بالنسب والصهر ، فإنهن والحرائر فيما يحل ويحرم بذلك المعنى متفقات المعاني ، وسوى اللواتي سبيناهن من أهل الكتابين ولهن أزواج ، فإن السباء يحلهن لمن سباهن بعد الاستبراء ، وبعد اخراج حق الله تبارك وتعالى الذي جعله لأهل الخمس منهن . فأما السفاح فإن الله تبارك وتعالى حرمه من جميعهن ، فلم يحله من حرة ولا أمة ولا مسلمة ولا كافرة مشركة . وأما الأمة التي لها زوج فإنها لا تحل لمالكها إلا بعد طلاق زوجها إياها ، أو وفاته وانقضاء عدتها منه ، فأما بيع سيدها إياها فغير موجب بينها وبين زوجها فراقا ولا تحليلا لمشتريها ، لصحة الخبر عن رسول الله ( ص ) : أنه خير بريرة إذ أعتقتها عائشة بين المقام مع زوجها الذي كان سادتها زوجوها منه في حال رقها ، وبين فراقه ولم